‏هندسة الخداع المالي .. الرهن المزدوج للعقار الواحدأسهم سعودية

    ‏هندسة الخداع المالي .. الرهن المزدوج للعقار الواحد

    في عام 2023، قال رائد الأعمال "باريش راجا" إن المتفائلين هم الأكثر عرضة للنجاح، وإن الإيمان بأوقات أفضل كفيل بتحقيقها، حينها، كان يقود شركة تمويل عقاري تتوسع بسرعة وتحظى بثقة مؤسسات مالية كبرى، لكن بعد نحو ثلاث سنوات، انهار كل شيء. البريق المخادع تعود بداية القصة إلى عام 2006، حين شارك "راجا" في تأسيس شركة "ماركت فاينانشال سوليوشنز" المعروفة اختصارًا بـ "إم إف إس" في لندن، مستهدفًا سوقًا لا تناسبه دائمًا القروض المصرفية التقليدية، وهو التمويل العقاري قصير الأجل، المعروف بالقروض ا

    في عام 2023، قال رائد الأعمال "باريش راجا" إن المتفائلين هم الأكثر عرضة للنجاح، وإن الإيمان بأوقات أفضل كفيل بتحقيقها، حينها، كان يقود شركة تمويل عقاري تتوسع بسرعة وتحظى بثقة مؤسسات مالية كبرى، لكن بعد نحو ثلاث سنوات، انهار كل شيء. البريق المخادع تعود بداية القصة إلى عام 2006، حين شارك "راجا" في تأسيس شركة "ماركت فاينانشال سوليوشنز" المعروفة اختصارًا بـ "إم إف إس" في لندن، مستهدفًا سوقًا لا تناسبه دائمًا القروض المصرفية التقليدية، وهو التمويل العقاري قصير الأجل، المعروف بالقروض الجسرية. تُستخدم هذه القروض عادة لتمويل عمليات شراء العقارات أو تجديدها، خصوصًا عندما يحتاج المستثمر إلى المال بسرعة، قبل إعادة التمويل أو بيع الأصل، وهي فرصة جذابة للمقرض الذي يستطيع تسعير المخاطر وتحقيق عائد مقابل إتاحة الأموال خلال فترة قصيرة. ومع اتساع هذا السوق في المملكة المتحدة، حيث بلغت قيمتها نحو 14 مليار جنيه إسترليني بنهاية العام السابق، وجدت "إم إف إس" مساحة للنمو. وبحلول أواخر عام 2025، بلغ حجم محفظة قروضها 2.7 مليار جنيه إسترليني، بينما لم يتجاوز معدل التعثر المعلن 1.2%، مقارنة بمتوسط بلغ 13.6% على مستوى القطاع، مما كان يوحي بأن الشركة تنمو بسرعة مع احتفاظها بجودة ائتمانية مرتفعة، وعززت أنشطة العلاقات العامة والتبرعات الخيرية والفعاليات الاجتماعية صورتها في أوساط الأعمال. الرهن المزدوج لم تكن "إم إف إس" تعتمد فقط على رأسمالها، بل على شبكة من الشركات، من بينها "أمبير بريدجينغ" و"زيركون بريدجينغ" واقترضت من مؤسسات مالية ومستثمرين، ثم أتاحت التمويل اللازم لنشاط الإقراض العقاري. كانت الآلية تقوم على اقتراض الأموال ثم استخدامها في تمويل قروض عقارية، مع تولي "إم إف إس" إدارة القروض وضمان تدفق الأقساط إلى الجهات الممولة وفق الترتيبات المعمول بها، لكن الاتهامات التي ظهرت بعد الانهيار تشير إلى احتمال استخدام بعض العقارات نفسها ضمانًا للحصول على تمويل من أكثر من جهة. هنا تكمن خطورة الرهن المزدوج، فالدائن لا يمنح المال مقابل وعد مجرد، بل يستند إلى حق في أصل يمكن الرجوع إليه عند تعثر المدين، وإذا كان العقار نفسه قد رُهن بالفعل لطرف آخر، فقد يجد المقرض الثاني نفسه أمام مطالبة متنافسة على الأصل ذاته، أو أمام حقوق لم تُسجل بطريقة تضمن أولويته. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتوزع القروض بين شركات متعددة، وتتشابك الملكيات والإدارات، بينما لا تشارك الجهات الممولة بالضرورة بصورة مباشرة في اختيار كل عقار أو التحقق من جميع تفاصيله. عندما اصطدمت الديون بالواقع بدأت الأزمة تتخذ مسارًا حادًا مع تجميد باركليز حسابات تابعة للمجموعة في نوفمبر 2025، وفق رواية راجا المقدمة إلى المحكمة، في إجراء أصاب عمليات الشركة بالشلل، وعطّل قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المقرضين والمقترضين، بل وسداد الرواتب والمستحقات التشغيلية. لكن انهيار الشركة في فبراير 2026، كشف حجمًا أكبر من المشكلة، فقد دخلت المجموعة إجراءات الإدارة والإعسار، وسط مطالبات مالية ضخمة، وتحدثت التقارير عن ديون مستحقة لجهات الإقراض تتجاوز ملياري جنيه إسترليني. ومع بدء فحص السجلات والضمانات، برزت ادعاءات بأن جزءًا كبيرًا من القروض لم يصل إلى مقترضين حقيقيين، فضلًا عن شبهات بشأن تحويل الأموال بين كيانات المجموعة وتمويل أطراف مرتبطة بالمؤسس. كما يزعم القائمون على إدارة الشركات المتعثرة أن فجوة مالية بنحو 1.3 مليار جنيه إسترليني نشأت نتيجة مخالفات مزعومة واستخدام ضمانات سبق تقديمها لدائنين آخرين، وأن أصولًا من المجموعة ربما استُخدمت لتحويل أموال إلى "راجا" أو تمويل نمط حياة باذخ، في اتهامات تشمل شراء سيارات فاخرة. في المقابل، ينفي "راجا" اختلاس الأموال أو وجود نية للاحتيال، ويؤكد أن المبالغ التي تلقاها كانت تعويضات وأرباحًا مستحقة له بصفته مالكًا للشركة،كما يحمّل باركليز مسؤولية تفاقم الأزمة، معتبرًا أن تجميد الحسابات كان سببًا رئيسيًا في انهيار المجموعة. ولا تزال هذه الادعاءات والدفوع خاضعة للمسار القانوني، إذ يواجه "راجا" دعاوى متعددة أمام المحاكم البريطانية، فيما يسعى الدائنون إلى تنسيق مطالباتهم وسط تداخل المصالح والنزاعات المحتملة بينهم. كما صدر أمر بتجميد أصول مرتبطة بالمؤسس على مستوى العالم، في محاولة للحيلولة دون التصرف فيها قبل اتضاح الحقوق المالية، لكن تجميد الأصول لا يعني استرداد الأموال تلقائيًا، فقد تكون الممتلكات مسجلة عبر شركات متعددة أو موجودة في ولايات قضائية مختلفة، وقد تتطلب استعادتها إجراءات طويلة لإثبات الملكية وملاحقة التحويلات وتحديد أولوية الدائنين. في النهاية، لا تتوقف قصة "إم إف إس" على تحديد ما إذا كانت العقارات قد رُهنت لأكثر من طرف، أو ما إذا كانت الأموال قد حُولت بصورة غير مشروعة؛ فهذه مسائل تحتاج إلى أدلة وأحكام قضائية، لكن السؤال الأوسع نطاقًا هو كيف استطاعت شبكة تمويل بهذا الحجم أن تحظى بثقة مؤسسات كبرى قبل أن تتحول الضمانات التي استندت إليها إلى محور نزاع. المصادر: تقارير هيئة السلوك المالي - صحيفة "ديلي تلغراف" – وكالة "بلومبرج" - صحيفة "فاينانشال تايمز" ‏
    مشاركة الخبر:‏هندسة الخداع المالي .. الرهن المزدوج للعقار الواحد

    أخبار ذات صلة

    صفحات وأسعار ذات صلة