أسهم سعوديةالقيمة والكوبون .. لماذا يقبل مستثمر السندات بعوائد سالبة؟
في يوليو عام 2016، اشترى مستثمرون سندات حكومية ألمانية لا تدفع فوائد دورية، وتعِد بسداد مبلغ أقل مما دفعوه لشرائه، إنها مفارقة مذهلة في عالم الاستثمار، حيث تدفع المال ولا تحصل على العائد ثم تسترد رأس المال ناقصًا بعد سنوات. المنطقي أنه حين تقرض شخصًا مالًا، تتوقع أن تسترد على الأقل ما أعطيته، لكن مشتري هذا السند وافق مسبقًا على استرداد أقل، فكيف نشأت الخسارة، وما الذي قد يجعل قبولها مقبولًا من الناحية الاستثمارية؟ صفقة بلا عائد - جرى المزاد يوم 13 يوليو، وحددت دعوة المزا
في يوليو عام 2016، اشترى مستثمرون سندات حكومية ألمانية لا تدفع فوائد دورية، وتعِد بسداد مبلغ أقل مما دفعوه لشرائه، إنها مفارقة مذهلة في عالم الاستثمار، حيث تدفع المال ولا تحصل على العائد ثم تسترد رأس المال ناقصًا بعد سنوات.
المنطقي أنه حين تقرض شخصًا مالًا، تتوقع أن تسترد على الأقل ما أعطيته، لكن مشتري هذا السند وافق مسبقًا على استرداد أقل، فكيف نشأت الخسارة، وما الذي قد يجعل قبولها مقبولًا من الناحية الاستثمارية؟
صفقة بلا عائد
- جرى المزاد يوم 13 يوليو، وحددت دعوة المزاد تاريخ قيمة التسوية، أي تبادل المال بالسند، في 15 يوليو 2016، بينما نص العقد على الاستحقاق في 15 أغسطس 2026.
- لفهم الصفقة، نبدأ بالقيمة الاسمية، وهي أصل الدين الذي تتعهد ألمانيا برده عند الاستحقاق، فإذا امتلك المستثمر ألف يورو من القيمة الاسمية، كان المبلغ التعاقدي المستحق له ألف يورو.
- أما الكوبون فهو الفائدة الدورية المحسوبة على القيمة الاسمية، والذي بلغ هنا صفرًا بالمئة؛ ولذلك لم توجد دفعات فوائد خلال الانتظار (لم يتضمن العقد كوبونًا سالبًا يقتطعه
- ثم يأتي سعر الشراء، وهو المال المدفوع فعلًا للحصول على السند، والذي بلغ متوسطه المرجح في المزاد 100.48 لكل 100 من القيمة الاسمية؛ أي 100.48% منها (هذا ليس معدل فائدة).
- هنا يظهر العائد حتى الاستحقاق، وهو المعدل السنوي الذي يربط سعر الشراء بالدفعات المستقبلية المقررة ومواعيدها، ويختلف عن الكوبون؛ فالأول يتأثر بما دفعته، والثاني تحدده شروط السند.
لماذا تأكل رأس المال؟
- باختصار، لأن شراء ألف يورو بالقيمة الاسمية لسعر المزاد يستلزم دفع 1004.80 يورو قبل الرسوم، ولا توجد كوبونات، والمبلغ الموعود عند الاستحقاق هو ألف يورو.
- بافتراض السداد الكامل، تكون الخسارة الاسمية 4.80 يورو طوال مدة الاحتفاظ، التي تزيد قليلًا على عشر سنوات؛ إذ يعيد العقد أصل الدين الاسمي، لا ثمن الشراء الأعلى.
- لمعرفة النسبة، نقسم الخسارة على ما دفعه المستثمر: 4.80 ÷ 1004.80 × 100، فتكون نحو 0.478%، وهذا عائد كلي سالب للفترة بأكملها، قبل احتساب أثر التضخم.
- هذه الخسارة تخص مدة الاستثمار كلها، التي تزيد قليلًا على عشر سنوات، وعند تحويلها إلى معدل سنوي للمقارنة، تعادل نحو سالب 0.05% سنويًا؛ دون أن يدفع المستثمر رسمًا منفصلًا كل عام.
- ببساطة، تخيّل أن صديقك معه شيك بألف ريال، موعد صرفه بعد شهر، وعرض عليك شراءه اليوم، ونفترض أنك ستصرفه كاملًا، دون رسوم.
- إذا اشتريته بـ950 ريالًا، ستقبض ألفًا بعد شهر وتكسب 50 ريالًا.
- إذا اشتريته بألف ريال، ستقبض ألفًا وتسترد ما دفعته بالضبط.
- إذا اشتريته بـ 1050 ريالًا، ستقبض ألفًا فقط وتخسر 50 ريالًا.
- المبلغ المكتوب على الشيك ثابت في الحالات الثلاث، ما غيّر مكسبك أو خسارتك هو الثمن الذي دفعته لشرائه، دون أن تحصل على أي دفعات خلال الشهر.
- السند الألماني يشبه الحالة الثالثة: دفع المستثمر أكثر من المبلغ الذي تعهدت الحكومة برده، ولم توجد فوائد دورية تعوّض الفرق، ومن هنا جاء العائد السالب، رغم أن الكوبون كان صفرًا.
لماذا يقبل المستثمر؟
- التفسير الأول طلب الأمان والسيولة، نظرًا لأن الأصل باليورو ومرتفع الجدارة الائتمانية ويسهل بيعه، حيث وثّق البوندسبنك في أغسطس 2016 انتقال أموال إلى الملاذات بعد التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، وسط استمرار التيسير النقدي.
- حين يشتري المستثمر سهولة البيع وارتفاع احتمال استرداد أمواله، قد يقبل تكلفة محدودة مقابلهما، لكن هذه قراءة اقتصادية للسياق؛ فوثائق المزاد لا تكشف دوافع كل مشارك، والجدارة الائتمانية لا تلغي مخاطر السعر.
- التفسير الثاني هو كلفة البدائل، ففي تحليل لاحق لبنك فرنسا عام 2021، أوضح باحثون أن الاحتفاظ بكميات ضخمة من الأوراق النقدية وحمايتها مكلف، وأن متطلبات تنظيمية تدفع مؤسسات إلى الاحتفاظ بسندات سيادية.
- لذلك، فإن الاحتفاظ بالنقود قد يحتاج خزائن وحراسة وعمليات نقل لدى مؤسسة كبيرة، ولا يعني ذلك أن كل مودع فردي واجه فائدة سالبة، أو أن كل مستثمر أُلزم بشراء سندات ألمانيا.
- التفسير الثالث احتمال إعادة البيع بربح، فإذا ارتفع السعر، ربما باع المشتري قبل الاستحقاق بأكثر مما دفع، وهذا مكسب محتمل مختلف عن العائد حتى الاستحقاق.
- لكن ارتفاع السعر أو انخفاض العائد لاحقًا غير مضمونين، وقد يهبط السعر فيتحمل البائع خسارة أكبر قبل موعد السداد.
- التفسير الرابع هو التضخم الضعيف، الذي يشجع المستثمر على قبول تعويض أقل عن تآكل القوة الشرائية لأمواله، وقد يدفع البنك المركزي إلى خفض الفائدة وشراء السندات، ما يزيد الطلب عليها ويرفع أسعارها ويخفض عوائدها.
- إذا توقع المستثمر انخفاض الأسعار، فحتى عندما يسترد نقودًا أقل ستكون قادرة على شراء سلع أكثر، إذا هبطت الأسعار بدرجة أكبر من تراجع أمواله.
- ختامًا، ثمة مفارقة في أن يدفع الإنسان ثمنًا ليخرج بمال أقل، ثم يشعر أنه أحسن الاختيار، لكنها تكشف أن الرضا لا تحدده الأرقام وحدها؛ فقد تكون الخسارة التي نختارها أخف وطأة من الاحتمالات التي نترك أنفسنا تحت رحمتها.
المصادر: أرقام- البنك المركزي الألماني- وزارة الخزانة الأمريكية- وكالة التمويل الألمانية- البنك المركزي الألماني- البنك المركزي الأوروبي- بنك إنجلترا
مشاركة الخبر:القيمة والكوبون .. لماذا يقبل مستثمر السندات بعوائد سالبة؟



