أسهم سعوديةأسعار السندات .. الخطر الكامن في الملاذ الآمن
يودع العميل أمواله في البنك متوقعًا استردادها حين يحتاج إليها، بينما يستخدم البنك جزءًا من تلك الودائع لشراء استثمارات تحقق له المال على مدى سنوات. لا تظهر مشكلة ما دامت السحوبات طبيعية، لكن ماذا لو أراد عدد كبير من العملاء نقودهم دفعة واحدة قبل موعد الاسترداد المتفق عليه؟ هذه المعضلة كانت في قلب انهيار "سيليكون فالي بنك" الأمريكي في مارس 2023؛ فقد امتلك البنك أوراقًا مالية منخفضة المخاطر من حيث احتمال عدم السداد، لكن أسعار بيعها هبطت بشدة. فكيف يمكن لاستثمار أن يواصل دفع مس
يودع العميل أمواله في البنك متوقعًا استردادها حين يحتاج إليها، بينما يستخدم البنك جزءًا من تلك الودائع لشراء استثمارات تحقق له المال على مدى سنوات.
لا تظهر مشكلة ما دامت السحوبات طبيعية، لكن ماذا لو أراد عدد كبير من العملاء نقودهم دفعة واحدة قبل موعد الاسترداد المتفق عليه؟
هذه المعضلة كانت في قلب انهيار "سيليكون فالي بنك" الأمريكي في مارس 2023؛ فقد امتلك البنك أوراقًا مالية منخفضة المخاطر من حيث احتمال عدم السداد، لكن أسعار بيعها هبطت بشدة.
فكيف يمكن لاستثمار أن يواصل دفع مستحقاته، بينما تتراجع قيمته إلى درجة تهدد البنك الذي يمتلكه؟
لماذا يخسر السند القديم قيمته؟
- لفهم المفارقة، علينا أولًا معرفة طبيعة السند، وهو ببساطة اتفاق تحصل بموجبه جهة مُصدرة، مثل حكومة أو شركة، على تمويل من المستثمر، وتتعهد بدفع فوائد محددة وإعادة المبلغ الأصلي في موعد متفق عليه.
- المهم هنا أن مدفوعات السند ذي الفائدة الثابتة لا تتغير لمجرد ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق، لكن السعر الذي يستطيع مالكه الحصول عليه إذا أراد بيعه قد يتغير بصورة كبيرة.
- السبب أن المستثمر الجديد يستطيع المفاضلة بين السند القديم واستثمارات جديدة تقدم عوائد أعلى، فلماذا يدفع السعر نفسه مقابل سند يمنحه فائدة أقل؟
- لكي يصبح السند القديم جذابًا، لا بد أن ينخفض سعر شرائه، بحيث يحصل المشتري على عائد ينافس البدائل المتاحة.
كيف يحدث ذلك؟
- اشترى مستثمر سندًا مقابل 1000 ريال، وتبقى على موعد استحقاقه عام واحد بالضبط، يحصل في نهايته على 20 ريالًا فائدة (2%)، إلى جانب استرداد أصل الدين البالغ 1000 ريال.
- لكن الاستثمارات المماثلة الجديدة أصبحت تقدم عائدًا سنويًا قدره 4%، في هذه الحالة، لن يكون المشتري الجديد مستعدًا لدفع 1000 ريال مقابل الحصول على 1020 ريالًا بعد عام.
- لذلك، ينخفض سعر السند القديم إلى نحو 981 دولارًا، فعند هذا السعر، يحصل المشتري على 20 ريالًا فائدة، بالإضافة إلى نحو 19 ريالًا تمثل الفرق بين سعر الشراء والمبلغ الأصلي الذي سيسترده.
- أي أنه يربح نحو 39 دولارًا مقابل استثمار 981 دولارًا، بعائد يقارب 4%.
ما علاقة الوقت بحجم الخسارة؟
- إذا كان سندان متشابهين في بقية خصائصهما، فإن السند الذي يتأخر وصول مدفوعاته يكون عمومًا أكثر تأثرًا بارتفاع عوائد السوق؛ لأن المستثمر سيظل مرتبطًا بشروطه القديمة مدة أطول.
- كلما تأخر أجل استرداد أصل الدين، طال الوقت الذي لا يستطيع فيه المستثمر توظيف تلك الأموال بالعائد الأعلى المتاح حاليًا، إلا إذا باع السند وأعاد استثمار حصيلته.
- لذلك تكون السندات الأطول أجلًا، في الظروف المتماثلة، أكثر حساسية لتغير أسعار الفائدة.
- هنا يظهر فرق جوهري بين خطرين: "خطر الائتمان"، وهو احتمال ألا تسدد الجهة
لماذا لم يستطع البنك الانتظار؟
- هذه الفكرة تفسر جانبًا أساسيًا من قصة "سيليكون فالي بنك"، فخلال فترة ازدهار شركات التكنولوجيا والتمويل المغامر، تدفقت إليه ودائع ضخمة من الشركات الناشئة وعملاء القطاع.
- فاستثمر جانبًا كبيرًا منها في أوراق مالية طويلة الأجل، شملت أوراقًا مدعومة بقروض عقارية تصدرها أو تضمنها مؤسسات حكومية أو مرتبطة بالحكومة الأمريكية.
- بدت هذه الاستثمارات جذابة لأنها توفر عوائد متوقعة ومخاطر تعثر منخفضة، في فترة اتسمت بانخفاض أسعار الفائدة.
- لكن خلال رفع الفائدة في عام 2022، تراجعت قيمتها السوقية، بالتزامن مع تباطؤ تمويل الشركات الناشئة، واضطرار العملاء إلى سحب مزيد من ودائعهم لتمويل أعمالهم.
- احتاج البنك إلى سيولة نقدية، بينما أصبحت بعض استثماراته تساوي أقل مما دفعه مقابلها، وفي 8 مارس 2023، أعلن بيع أوراق مالية بقيمة تقارب 21 مليار دولار من محفظته، بخسارة 1.8 مليار دولار.
- أثار الإعلان مخاوف المودعين، فسحبوا أكثر من 40 مليار دولار في 9 مارس، قبل أن تغلق السلطات البنك في اليوم التالي.
- لم يكن ارتفاع الفائدة وحده سبب الانهيار؛ فقد ساهم تركّز الودائع لدى عملاء مترابطين (معظمهم في قطاع التكنولوجيا)، وضعف الاستعداد لتلبية السحوبات، وسوء إدارة المخاطر في تسارع الأزمة.
لماذا قبل البنك الخسارة؟
- قد يبدو الحل بسيطًا: لماذا لا يحتفظ البنك بالسندات حتى مواعيد استحقاقها، بدلًا من بيعها بخسارة؟
- بالعودة إلى مثالنا الافتراضي، يستطيع المستثمر الذي يمتلك السند الانتظار عامًا والحصول على 1020 ريالًا، بشرط أن تلتزم الجهة
- فانخفاض السعر السوقي لا يغير المبلغ الذي تعهدت بدفعه، غير أن الانتظار يتطلب شرطين مختلفين: أن يرغب المستثمر في الاحتفاظ بالسند، وأن يمتلك القدرة المالية على ذلك.
- فقد يخطط البنك لاسترداد أمواله بعد سنوات، لكن على الجهة الأخرى يكون لديه مودعون لا يلتزمون بجدول استحقاق استثماراته، ويستطيعون طلب أموالهم قبل ذلك بكثير.
- هناك فرق بين انخفاض قيمة السند في السوق، وهو ما يُسمى "خسارة غير محققة" ما دام لم يُبع، وبين الخسارة التي تتحقق بالفعل عند بيعه بسعر أقل من تكلفته.
- مع ذلك، فالخسارة غير المحققة ليست وهمية؛ لأنها تعكس القيمة التي يمكن الحصول عليها الآن، كما أن الاحتفاظ بالسند يعني استمرار استثمار الأموال وفق شروط العائد القديم.
- لذلك، لا يلغي الانتظار أثر ارتفاع الفائدة اقتصاديًا، حتى عندما يسمح بتجنب خسارة البيع.
- تكشف تجربة "سيليكون فالي بنك" أن انخفاض مخاطر عدم السداد لا يعني بالضرورة انخفاض جميع مخاطر الاستثمار، فقد تكون الأوراق المالية موثوقة من حيث المدفوعات، لكنها غير مناسبة لمن يحتاج إلى بيعها قبل موعد استحقاقها.
- إن المشكلة التي واجهها البنك لم تكن فقط في مقدار الأموال التي يُنتظر أن تعود إليه، وإنما في موعد عودتها مقارنة بالموعد الذي احتاج فيه المودعون إلى أموالهم.
المصادر: أرقام- الاحتياطي الفيدرالي- هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية- إفصاحات سيليكون فالي بنك- المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع- مكتب المساءلة الحكومي الأمريكي- شركة بيمكو لاستثمارات السندات- هيئة تنظيم القطاع المالي
مشاركة الخبر:أسعار السندات .. الخطر الكامن في الملاذ الآمن




