‏جيل زد يعيد رسم قواعد الثقة في القطاع الماليأسهم سعودية

    ‏جيل زد يعيد رسم قواعد الثقة في القطاع المالي

    لم تعد الثقة في المؤسسات المالية تُبنى بالاسم العريق أو التاريخ الطويل للبنك، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة هذه المؤسسات على فهم احتياجات العملاء، وتقديم المعلومات بشفافية، والاستجابة لمتطلباتهم في الوقت المناسب. فالأجيال الشابة، التي نشأت في عالم رقمي سريع الإيقاع، باتت تنظر إلى الخدمات المالية من زاوية مختلفة، تتقدم فيها سهولة الاستخدام وسرعة الوصول إلى المعلومات على الاعتبارات التقليدية التي كانت تحكم اختيارات الأجيال السابقة. في الوقت الذي ينشغل فيه جيل الألفية بإدارة الثرو

    لم تعد الثقة في المؤسسات المالية تُبنى بالاسم العريق أو التاريخ الطويل للبنك، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة هذه المؤسسات على فهم احتياجات العملاء، وتقديم المعلومات بشفافية، والاستجابة لمتطلباتهم في الوقت المناسب. فالأجيال الشابة، التي نشأت في عالم رقمي سريع الإيقاع، باتت تنظر إلى الخدمات المالية من زاوية مختلفة، تتقدم فيها سهولة الاستخدام وسرعة الوصول إلى المعلومات على الاعتبارات التقليدية التي كانت تحكم اختيارات الأجيال السابقة. في الوقت الذي ينشغل فيه جيل الألفية بإدارة الثروات على المدى الطويل، وتحسين خطط التقاعد وإدارة الأصول، يركز جيل «زد» بصورة أكبر على إدارة ميزانياته قصيرة الأجل والاستعداد لمحطات حياتية مهمة، مثل الزواج وشراء المنزل الأول. ورغم اختلاف الأولويات، يلتقي الجيلان عند مطلب أساسي يتمثل في الحصول على خدمات مالية سهلة الاستخدام، توفر معلومات واضحة ومحدثة، وتمنحهما شعوراً بالسيطرة على قراراتهما المالية. خدمات ذاتية وشفافية فورية تكشف نتائج استطلاع للمستهلكين أجرته منصة "برايز" المتخصصة في تفاعل العملاء لعام 2026، أن نحو ثلث أفراد الجيلين يفضلون المنصات المالية التي توفر خدمات ذاتية وشفافية فورية، على الاعتماد على الثقة التقليدية المتوارثة في العلامات المصرفية. ويعكس ذلك تحولاً في معايير اختيار الخدمات المالية، إذ لم يعد تاريخ المؤسسة أو شهرتها كافياً لضمان ولاء العملاء، ما لم يقترن بتجربة رقمية تلبي تطلعاتهم. ويقول برايان ليكر، المدير الأول للتسويق العالمي للقطاعات والمنتجات في «برايز»، إن القاسم المشترك بين الجيلين يتمثل في تفضيل الراحة وسهولة الوصول إلى الخدمات، مشيراً إلى أن نحو ثلث المستطلعة آراؤهم من جيلَي «زد» والألفية يختارون المنصات المالية بناءً على جودة تطبيقاتها للخدمة الذاتية وشفافيتها في الوقت الفعلي، بدلاً من الاعتماد على الثقة التقليدية في العلامة التجارية. ولا تقتصر التحديات على اختيار المنصة المناسبة، إذ لا يزال أكثر من ثلث أفراد الجيلين يفتقرون إلى الثقة الكاملة في قدرتهم على اتخاذ القرارات المالية. ورغم معرفتهم بالأهداف التي يسعون إلى تحقيقها بأموالهم، فإنهم لا يمتلكون بالضرورة خطة عملية واضحة ومفصلة للوصول إليها، وهو ما يفتح المجال أمام المؤسسات المالية لتقديم حلول تجمع بين التوجيه الشخصي والمعلومات الموثوقة والتوقيت المناسب. التكنولوجيا والشفافية تتقدمان على الإرث المصرفي تؤكد نتائج الاستطلاع أن المستهلكين الأصغر سناً باتوا يمنحون الأولوية للإمكانات التكنولوجية عند التفكير في إدارة ثرواتهم على المدى الطويل، متجاوزين في كثير من الأحيان الاعتبارات التقليدية المرتبطة بالتعامل مع البنوك القديمة أو المستشارين العائليين. إلى جانب تفضيل نحو 32% من أفراد الجيلين المنصات التي توفر تطبيقات جيدة للخدمة الذاتية ومعلومات مالية شفافة وفورية، تشير البيانات إلى أن نحو 20% فقط يواصلون التعامل مع البنوك التقليدية أو المستشارين الماليين للعائلة بدافع الاعتياد. ومع ذلك، لا تعني الرغبة في الاستفادة من التكنولوجيا استعداد العملاء لتوزيع أموالهم على عدد كبير من المؤسسات بحثاً عن أفضل العوائد، إذ لا تتجاوز نسبة أفراد جيل «زد» المستعدين لإدارة ثلاثة حسابات أو أكثر لدى بنوك أو تطبيقات مختلفة 28%، مقارنة بنحو 34% لدى جيل الألفية. وتشير هذه النتائج إلى أن سهولة التجربة الرقمية لا تعني بالضرورة تعدد المنصات، بل إن العملاء يبحثون عن خدمات متكاملة تقلل الوقت والجهد اللازمين لإدارة أموالهم. ومن ثم، يتعين على العلامات المالية الابتعاد عن أساليب التسويق التقليدية القائمة على تقسيم العملاء وفق الفئات العمرية بصورة عامة، والاعتماد بدلاً من ذلك على البيانات الفورية لفهم سلوك كل عميل وتقديم الخدمات المناسبة له. تجربة تسوق موحدة وتقدم منصة "إنشوريفاي" المتخصصة في مقارنة عروض التأمين، نموذجاً لهذا التوجه. ويوضح مايك هانراهان، رئيس قسم الاحتفاظ بالعملاء في الشركة، أن الهدف يتمثل في توفير تجربة تسوق موحدة تتيح للسائقين مقارنة عروض التأمين على السيارات دون الحاجة إلى الانتقال بين شركات التأمين وإدخال البيانات نفسها مرات متعددة. ومن خلال أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات التي توفرها «برايز»، تستطيع الشركة تحديد العملاء الذين يعرفون بالفعل احتياجاتهم، وتمييزهم عن أولئك الذين يحتاجون إلى مزيد من الوقت أو المعلومات أو التذكير لاستكمال إجراءاتهم. كما تتيح هذه الأدوات اختبار مئات التركيبات من الرسائل والقنوات وتوقيت التواصل والحوافز في وقت واحد، والاستفادة من تفاعلات العملاء لتحسين التجربة بصورة مستمرة. ولا تتطلب زيادة ثقة العملاء دائماً تغييرات تكنولوجية معقدة، فقد أسهمت خطوات بسيطة في تحقيق نتائج ملموسة. ويشير ليكر إلى أن إحدى شركات التكنولوجيا المالية في أمريكا اللاتينية أتاحت لحاملي بطاقاتها تحديث عناوينهم عبر تطبيق للمراسلة بدلاً من تعبئة نموذج إلكتروني، ما أدى إلى زيادة عمليات تحديث العناوين إلى ثلاثة أمثالها. وفي مثال آخر، ارتفعت مشاركة العملاء لروابط إحالة القروض بنسبة 80% لدى منصة أمريكية للتمويل الرقمي، بعد أن وفرت لهم ملخصاً مباشراً يوضح نشاط الإحالات والعوائد التي حققوها. وتؤكد هذه التجارب أن إتاحة المعلومات المالية والبيانات الشخصية بصورة واضحة وسهلة الوصول تمثل عاملاً رئيسياً في بناء الثقة. الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور المستشار البشري رغم الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، لا يزال جيلا الألفية و«زد» يمنحان المشورة البشرية مكانة مهمة عند اتخاذ القرارات المالية. فوفقاً للاستطلاع، يستخدم 40% من أفراد جيل «زد» الذكاء الاصطناعي للحصول على توصيات تتعلق بإعداد الميزانيات، بينما يستعين به 39% من جيل الألفية لمقارنة المنتجات والخدمات المالية. لكن عندما يتعلق الأمر بتقييم فاعلية المشورة المالية، يتقدم المستشارون البشريون المعتمدون على الأدوات الرقمية. فقد منح 65% من أفراد جيل «زد» و64% من جيل الألفية المستشارين الماليين المعتمدين الذين يقدمون خدماتهم وجهاً لوجه أعلى تقييم من حيث الفاعلية. وجاءت روبوتات المحادثة العامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المرتبة التالية، إذ رأى 60% من جيل «زد» و59% من جيل الألفية أن النصائح المالية التي تقدمها فعالة. أما المؤثرون الماليون على منصات التواصل الاجتماعي، فجاءوا في المرتبة الأخيرة من حيث الثقة، رغم أن نحو 48% من أفراد الجيلين لا يزالون ينظرون إلى نصائحهم باعتبارها مفيدة. ويرى ليكر أن المستهلكين أصبحوا محاطين بكم هائل من المعلومات والمصادر، سواء عبر أدوات الذكاء الاصطناعي أو المؤثرين المتخصصين في الشؤون المالية، الأمر الذي يجعل التحدي الحقيقي أمام المؤسسات المالية هو مساعدة العملاء على التمييز بين المعلومات وتوظيفها بصورة صحيحة. ويكمن الحل، بحسب ليكر، في توظيف بيانات العملاء التي تجمعها المؤسسات مباشرة لتعزيز جودة التفاعل البشري، من خلال فهم رحلة العميل وتحديد المشكلات التي تواجهه قبل تحويله إلى موظف خدمة العملاء أو المستشار المالي. فعوضاً عن الاكتفاء بطلب تقييم سريع لتجربة الخدمة، يمكن للمؤسسات تشجيع العملاء على تقديم تعليقات مكتوبة ومفصلة، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليلها وتصنيفها، وتحديد النقاط التي تسببت في شعورهم بالإحباط أو عدم الرضا. ويساعد ذلك الموظفين على امتلاك صورة أوضح عن احتياجات العميل وتجاربه السابقة، بما يجعل التواصل البشري أكثر دقة وفاعلية. ويشدد ليكر على أهمية تحسين تبادل البيانات بين وسائل التواصل الآلية والتفاعلات المباشرة مع الموظفين، بما يضمن عدم اضطرار العميل إلى تكرار المعلومات نفسها في كل مرة يتواصل فيها مع المؤسسة. ومن شأن هذا التكامل أن يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز التفاعل الإنساني، وليس بديلاً عنه. التواصل الشخصي والفوري يعززان الولاء أصبح تخصيص الخدمات والرسائل وفق احتياجات العملاء ضرورة تنافسية، إلا أن المؤسسات المالية لا تزال تواجه فجوة واضحة في هذا المجال. فوفقاً للاستطلاع، لا يرى سوى 27% من أفراد جيل «زد» و25% من جيل الألفية أن مزودي الخدمات المالية يفهمون احتياجاتهم جيداً، ويقدمون لهم توصيات شخصية وفورية تساعدهم على تحقيق أهدافهم. وتظهر البيانات أن نحو ثلث أفراد جيل «زد» (34%) وجيل الألفية (32%) يفضلون تلقي رسائل آلية وفورية ترتبط بأحداث فعلية في حياتهم أو بتغيرات الأسواق، متقدمة على الملخصات الشهرية التقليدية التي يفضلها 24% و23% من الجيلين على التوالي. كما يمثل التفاعل القائم على التحفيز والألعاب الرقمية فرصة إضافية لجذب العملاء الأصغر سناً، إذ يفضل 20% من جيل «زد» الحصول على مكافآت من خلال التحديات التفاعلية والمزايا الحصرية، مقابل 15% من جيل الألفية. ويشير ليكر إلى أن توقيت التواصل أصبح في حد ذاته مؤشراً على مدى اهتمام المؤسسة بالعميل، موضحاً أن الرسالة المناسبة في الوقت المناسب يمكن أن تعزز الثقة، بينما قد يؤدي التواصل غير الملائم إلى شعور العميل بالتدخل في خصوصيته. وتقدم منصة "بيلت" المتخصصة في برامج المكافآت والمدفوعات المرتبطة بالسكن، مثالاً على ذلك. إذ تتيح المنصة للأعضاء كسب نقاط مكافآت عند سداد الإيجار أو أقساط الرهن العقاري، وتستخدم الإشعارات الفورية لتأكيد وصول المدفوعات إلى الجهات المعنية، وإبلاغ العملاء بتفاصيل العمليات، مثل سداد الإيجار واسترداد المكافآت وحجز الرحلات. وتوضح نبيلة أبو بكر، مديرة التسويق لدورة حياة العميل في «بيلت»، أن هذه الرسائل الاستباقية تساعد في إزالة الغموض المرتبط بالمدفوعات، وتمنح العملاء تأكيداً فورياً بأن أموالهم وصلت إلى مديري العقارات أو جهات التمويل العقاري. لكن التواصل الفوري ليس الخيار الأفضل في جميع الحالات. فعندما يستخدم أحد أعضاء المنصة رصيد «بيلت كاش» لسداد تكلفة رحلة عبر إحدى خدمات النقل التشاركي، ينتظر فريق التسويق عدة أيام قبل إرسال توصية عبر البريد الإلكتروني أو إشعار التطبيق لربط الحساب، بهدف تحسين تجربة الاستخدام وتعزيز التفاعل. وتقول أبو بكر إن الانتظار خمسة أيام يمثل توقيتاً مناسباً، لأنه يتيح التواصل مع العميل في سياق مرتبط بتجربته، دون أن يبدو التدخل فورياً أو مبالغاً فيه. ويعكس ذلك أهمية تحقيق التوازن بين الحضور المستمر للمؤسسة في حياة العميل واحترام مساحته الشخصية. البيانات أساس المنافسة على الأجيال الجديدة في المحصلة، لا يتوقف بناء الثقة مع جيلَي الألفية و«زد» على إطلاق تطبيقات أكثر تطوراً أو زيادة عدد الرسائل التسويقية، بل يتطلب استراتيجية متكاملة تربط البيانات بالتكنولوجيا والتفاعل البشري. ويلخص ليكر هذه الاستراتيجية في ثلاث مراحل رئيسية: توحيد البيانات من مختلف قنوات التواصل، وتفعيلها للاستفادة منها في فهم احتياجات العملاء، ثم توزيعها على القنوات المناسبة لضمان وصول الرسالة الصحيحة إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب. وتبدو المؤسسات القادرة على الجمع بين هذه العناصر أكثر استعداداً للفوز بثقة المستهلكين الشباب، ليس فقط عبر جذب انتباههم إلى خدماتها، بل من خلال بناء علاقات طويلة الأمد تتطور مع تغير احتياجاتهم وأهدافهم المالية. فبالنسبة إلى هذه الأجيال، لم تعد الثقة امتيازاً تمنحه شهرة المؤسسة أو تاريخها، وإنما تجربة يومية تثبت فيها قدرتها على الشفافية والفهم والاستجابة. ‏
    مشاركة الخبر:‏جيل زد يعيد رسم قواعد الثقة في القطاع المالي

    أخبار ذات صلة

    صفحات وأسعار ذات صلة