أسهم سعوديةرحلة الأشقاء نحو عرش الغاز الأمريكي
هناك سباق عالمي لبناء مراكز البيانات وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، لكن المنافسة لا تدور كلها داخل معامل التكنولوجيا. فخلف الخوادم التي تتعلم وتنتج وتجيب عن الأسئلة، تقف بنية تحتية ضخمة تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، ومصادر طاقة قادرة على توفيرها باستمرار. هنا وجد "توبي رايس"، الرئيس التنفيذي لشركة "إي كيو تي" (EQT)، فرصة لتحويل الغاز الطبيعي من سلعة تقليدية إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وفي 26 أكتوبر 2026، وضع رهانًا جديدًا على هذه الفكرة ب
هناك سباق عالمي لبناء مراكز البيانات وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، لكن المنافسة لا تدور كلها داخل معامل التكنولوجيا.
فخلف الخوادم التي تتعلم وتنتج وتجيب عن الأسئلة، تقف بنية تحتية ضخمة تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، ومصادر طاقة قادرة على توفيرها باستمرار.
هنا وجد "توبي رايس"، الرئيس التنفيذي لشركة "إي كيو تي" (EQT)، فرصة لتحويل الغاز الطبيعي من سلعة تقليدية إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
وفي 26 أكتوبر 2026، وضع رهانًا جديدًا على هذه الفكرة بإعلان صفقة للاستحواذ على منافسته "رينج ريسورسز" مقابل نحو 13 مليار دولار.
لكن القصة الأعمق ليست في الصفقة نفسها، بل في أن الرجل الذي دافع قبل سنوات عن الغاز بوصفه حلًا مناخيًا يبيعه اليوم بوصفه وقود الذكاء الاصطناعي.
رهان الطاقة
بالنسبة إلى "رايس"، يمثل مشروع إعادة تطوير محطة "هومر سيتي" في ولاية بنسلفانيا صورة مصغرة لمستقبل الطاقة الأمريكية.
فالموقع الذي ظل لمدة 50 عامًا محطة لتوليد الكهرباء بالفحم، يجري تحويله إلى منشأة تعتمد على سبعة توربينات تعمل بالغاز الطبيعي من إنتاج "جي إي فيرنوفا"، بقدرة إجمالية تبلغ 4.4 جيجاواط، لخدمة مجمع ضخم لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتخطط "أمازون ويب سيرفيسز" لإقامة 36 مبنى في الموقع، فيما ستتولى "إي كيو تي" توفير الغاز عبر خط أنابيب مخصص بقدرة نقل تصل إلى 665 مليون قدم مكعبة يوميًا.
ويعادل هذا الحجم من الطاقة نحو 110 آلاف برميل من النفط يوميًا، أو قرابة 5 ملايين جالون من البنزين.
معادلة الوفرة
لا ينظر "رايس" إلى هذه المشروعات باعتبارها مجرد عقود لتوريد الوقود، بل بوصفها فرصة اقتصادية أوسع.
فهو يرى أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والطاقة يمكن أن يخلق وفرة أكبر في الإنتاج والثروة والتعليم، شريطة توفير الكهرباء اللازمة لتشغيل التقنيات الجديدة، في معادلة فريدة: (الذكاء الاصطناعي + الطاقة = الوفرة).
ويستند في رؤيته إلى أن زيادة إمدادات الطاقة تتيح للاقتصادات توسيع قدراتها الإنتاجية والاستفادة من التقنيات المتقدمة، بدلًا من أن تصبح الكهرباء عائقًا أمام انتشارها.
صفقة المليارات
يعمل "رايس" على تعزيز قدرته على تنفيذ هذه الرؤية عبر التوسع في الاستحواذات، حيث أعلنت "إي كيو تي" الأسبوع الماضي صفقة بقيمة 13 مليار دولار للاستحواذ على منافستها "رينج ريسورسز" (Range Resources).
سيضع هذا الاندماج شركة "إي كيو تي" في مصاف كبرى شركات الطاقة في أمريكا، مانحا إياها السيطرة على 25% من تكوين "مارسيلوس" الصخري (Marcellus shale) — وهو أكبر حقل للغاز في الولايات المتحدة.
وستصل القيمة الإجمالية للكيان الجديد إلى 50 مليار دولار، مع سيطرة على مساحة 2.8 مليون فدان، وإنتاج يومي يبلغ 36 مليار قدم مكعبة من الغاز، بالإضافة إلى امتلاك شبكة خطوط أنابيب تمتد لمسافة 3700 ميل.
وبالنسبة لـ "رايس"، تكمن الفائدة في "الحجم"؛ حيث سيتحول كيانه إلى أكبر منتج للغاز في البلاد، بحصة تصل إلى 7% من إجمالي الإنتاج الوطني — متجاوزا بذلك شركة "إكسباند إنرجي" (Expand Energy) — وهو ما يرى "رايس" أنه سيمكنه من ضمان تلبية كافة احتياجات الطاقة اللازمة للذكاء الاصطناعي.
صعود العائلة
لم تبدأ قصة "رايس" من قمة صناعة الطاقة، بل من مشروع عائلي تأسس عام 2007.
فقد دخل الأشقاء "داني" و"توبي" و"ديريك رايس" قطاع الغاز الصخري بدعم مالي من والدهم "دانيال رايس الثالث"، الذي كان يدير استثمارات في الموارد الطبيعية لدى "بلاك روك"، وقرر اقتراض 70 مليون دولار بضمان صناديق ائتمانية شخصية لشراء أراضٍ قابلة للحفر.
كان لكل شقيق دور مختلف في الشركة الناشئة؛ تولى "داني" الإدارة، وأشرف "توبي" على العمليات بعد تجربة العمل في منصات النفط بتكساس، بينما قاد "ديريك" أنشطة الاستكشاف مستفيدًا من تخصصه في الجيولوجيا.
وجاءت مغامرتهم في وقت كانت فيه تقنية التكسير الهيدروليكي تفتح آفاقًا جديدة أمام استخراج الغاز من التكوينات الصخرية.
منافسة مبكرة
استلهم الأشقاء تجربتهم من شركة "رينج ريسورسز"، التي كانت من أوائل الشركات التي استكشفت الغاز الصخري في حوض "مارسيلوس".
وكانت "رينج" قد بدأت عملياتها في المنطقة عام 2004، ونجحت في تأمين مساحات واسعة من الأراضي قبل أن تتوسع المنافسة على الموارد الجديدة.
ويصف "ديريك رايس" الشركة بأنها كانت نموذجًا يحتذون به عند دخولهم القطاع، فيما يتذكر "داني" أن المنافسة معها امتدت إلى الأراضي والموظفين والسمعة داخل المجتمعات المحلية.
وهكذا، فإن استحواذ "إي كيو تي" عليها بعد نحو عقدين من المنافسة يمثل عودة إلى واحدة من الشركات التي أسهمت في تشكيل المسار المهني للعائلة.
العودة للقيادة
حققت "رايس إنرجي" نموًا سريعًا، وجمعت مليار دولار من خلال طرح عام أولي في 2014.
وبعد ثلاث سنوات، باعت العائلة الشركة إلى "إكويتبل جاز"، التي أصبحت لاحقًا "إي كيو تي"، مقابل صفقة بلغت نحو 8 مليارات دولار.
وقد حصلت عائلة "رايس" على نحو 200 مليون دولار نقدا، بالإضافة إلى حصة نسبتها 3% في شركة "إي كيو تي"، بلغت قيمتها آنذاك حوالي 400 مليون دولار.
لكن العلاقة بين الطرفين لم تنتهِ عند البيع، فبعد تراجع أداء "إي كيو تي"وارتفاع تكاليفها، تحالف الأشقاء مع مستثمرين ناشطين، لخوض معركة تصويتية على مجلس الإدارة.
وانتهت المواجهة بوصول "توبي رايس" إلى منصب الرئيس التنفيذي في يوليو 2019، ليبدأ مرحلة جديدة من إعادة هيكلة الشركة والتوسع عبر الاستحواذات.
توسع متواصل
نفذ "رايس" ست صفقات خلال سبع سنوات، شملت أصولاً من شركات مثل "شيفرون" و"إكويتراينس" (Equitrans)، ما عزز مكانة "إي كيو تي" في تكوين "مارسيلوس" الصخري.
يرى محللو "ريستاد إنرجي" أن الشركة تعزز حجم إنتاجها وقدرتها على نقل الغاز في توقيت يتزامن مع نمو الطلب الأمريكي على صادرات الغاز الطبيعي المسال واحتياجات مراكز البيانات.
ويعكس ذلك أن استراتيجية "رايس" لا تقوم على امتلاك الغاز فقط، وإنما على بناء منظومة متكاملة تصل به إلى الأسواق والمستهلكين.
بوابة أوروبا
في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، بدأ "رايس" في شراء شحنات من الغاز الأمريكي وتحويلها إلى غاز طبيعي مسال لتصديرها إلى أوروبا، مستغلاً بذلك الفجوة بين العرض والطلب.
وأصبحت هذه الفرصة الاستثمارية أكثر جاذبية في الوقت الراهن؛ حيث يُباع الغاز الطبيعي في أوروبا بسعر يصل إلى عشرة أضعاف سعره في الولايات المتحدة.
وحتى بعد احتساب تكلفة تسييل الغاز وشحنه يظل هناك هامش ربح كبير.
كما أبرمت الشركة اتفاقًا مع ليتوانيا لتوريد شحنة واحدة من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة عشر سنوات، بما يعادل نحو 40% من احتياجات الدولة البلطيقية.
ما بعد "هومر سيتي"
تفتح طفرة الذكاء الاصطناعي أمام "إي كيو تي" آفاقًا أوسع، فإلى جانب "هومر سيتي"، ستورد 800 مليون قدم مكعبة يوميًا إلى توربينات تعمل بالهيدروجين في محطة فحم قديمة أخرى يُعاد تطويرها في "شيبينجبورت" بولاية بنسلفانيا.
ويطور المشروع "فرونتير جروب أوف كومبانيز"، وفيه مركز بيانات قيد الإنشاء بدعم من "بلاك روك"، تبلغ قدرته 2 جيجاواط، مع خطة للتوسع إلى 7 جيجاواط، أي ما يكفي لتشغيل مدينة نيويورك في المتوسط اليومي.
ويغذي ذلك طموح "رايس" الأكبر، المتمثل في مضاعفة إنتاج الشركة خلال السنوات المقبلة لتلبية الطلب المتنامي.
ويعزو "رايس" سلاسة دمج الصفقات الجديدة إلى تبني الشركة المبكر لبرمجيات العمل الرقمي.
ورغم امتلاكه مقرًا في "كانونسبورج" قرب حدود ولاية "ويست فرجينيا"، تسمح الشركة لمعظم موظفيها البالغ عددهم 1600 بالعمل عن بُعد، بتقنيات تتيح للمهندسين متابعة بيانات الحفر لحظة بلحظة عبر جوالاتهم.
الأشقاء يواصلون الرهان
وبينما يوسع "توبي" حضور "إي كيو تي" في قطاع النفط والغاز، يدير أشقاؤه ثروة العائلة عبر "رايس إنفستمنت جروب" من بوسطن.
وقد جنوا أكثر من مليار دولار من استثمارات في الأسهم الخاصة وشركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص، ويديرون حاليًا محفظة من نحو 24 شركة ناشئة في تقنيات الحفر والذكاء الاصطناعي لحقول النفط والاستكشاف.
واليوم، لم يعد رهان العائلة مقتصرًا على استخراج الغاز أو تصديره، بل امتد إلى البنية التحتية التي ستغذي مراكز البيانات وتشغّل اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فهل تنجح عائلة "رايس" في تحويل إنجازها في صناعة الغاز إلى إمبراطورية طاقة وتقنية تقود المرحلة المقبلة من الاقتصاد الأمريكي؟
المصادر: أرقام - فوربس – رويترز - بلومبرج – إدارة معلومات الطاقة الأمريكية
مشاركة الخبر:رحلة الأشقاء نحو عرش الغاز الأمريكي




