أسهم سعوديةإلى أين يتجه سعر برميل النفط؟
في أسواق النفط، قد تفصل رحلة ناقلة واحدة بين استقرار الأسعار وقفزة تعيد حسابات الاقتصاد العالمي بأكمله، ومع استمرار الصراع في الشرق الأوسط، لم تعد مراكز التداول تكتفي بمراقبة حجم الإنتاج، بل باتت تحسب تكلفة كل مسار بديل، ومخاطر كل شحنة، والوقت الذي يمكن أن تصمد خلاله المخزونات قبل أن يتحول النقص إلى أزمة يصعب احتواؤها. من 120 إلى 150 دولارًا.. أين تتجه الأسعار؟ ومع تجاوز خام برنت مستوى 110 دولارات للبرميل، مسجلًا ارتفاعًا بأكثر من 85% منذ بداية العام، وتخطى الخام الأمريكي حاجز 10
في أسواق النفط، قد تفصل رحلة ناقلة واحدة بين استقرار الأسعار وقفزة تعيد حسابات الاقتصاد العالمي بأكمله، ومع استمرار الصراع في الشرق الأوسط، لم تعد مراكز التداول تكتفي بمراقبة حجم الإنتاج، بل باتت تحسب تكلفة كل مسار بديل، ومخاطر كل شحنة، والوقت الذي يمكن أن تصمد خلاله المخزونات قبل أن يتحول النقص إلى أزمة يصعب احتواؤها.
من 120 إلى 150 دولارًا.. أين تتجه الأسعار؟
ومع تجاوز خام برنت مستوى 110 دولارات للبرميل، مسجلًا ارتفاعًا بأكثر من 85% منذ بداية العام، وتخطى الخام الأمريكي حاجز 100 دولار، بدأت تحذيرات أكثر حدة تظهر في تقديرات المؤسسات المالية، وصولًا إلى سيناريو يبلغ فيه البرميل 150 دولارًا.
حذر بنك "ويستباك"من احتمال ارتفاع النفط إلى نحو 150 دولارًا للبرميل خلال النصف الأول من العام المقبل، إذا استمر الصراع مع إيران في التصاعد، وتعني هذه القفزة ارتفاعًا بنحو 38% مقارنة بالمستويات الحالية، فضلًا عن احتمال تحول الاضطراب المؤقت في الإمدادات إلى عجز عالمي أعمق وأطول أمدًا.
ويرى البنك أن تصاعد العنف بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر يمثل أحد أبرز المخاطر القريبة، خصوصًا إذا لم تنجح واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع ويفتح الطريق أمام استعادة حركة الشحن الطبيعية.
وفي سبتمبر، أشار "جولدمان ساكس" إلى إمكانية وصول برنت إلى 120 دولارًا للبرميل إذا تصاعدت الهجمات على حركة الملاحة في الشرق الأوسط، كما حذر "بنك أوف أمريكا" من احتمال تجاوز الأسعار 150 دولارًا إذا استمرت المخزونات في التراجع بالتزامن مع اشتداد الحرب.
وفي مؤشر على عمق الأزمة، لا يتوقع رئيس وكالة الطاقة الدولية، "فاتح بيرول"، عودة أسواق الطاقة إلى مستويات ما قبل الحرب خلال عام 2027، مشيرًا إلى اقتراب أسعار النفط من 120 دولارًا للبرميل، وتجاوز أسعار المنتجات النفطية هذا المستوى بكثير، دون تقديم توقعات محددة للأسعار في الفترة المقبلة.
البراميل تصل إلى الأسواق بتكلفة مضاعفة
لكن لا يحدد مضيق هرمز فقط كمية النفط التي تستطيع الوصول إلى المشترين، بل يؤثر أيضًا في تكلفة نقلها والتأمين عليها والوقت اللازم لتسليمها، وهي تكلفة قد تجد طريقها في النهاية إلى أسعار النفط والمنتجات المكررة.
تشير تقديرات "كبلر" إلى ارتفاع متوسط التدفقات عبر المضيق خلال الشهر الجاري إلى 11.7 مليون برميل يوميًا، مقارنة مع 9.8 مليون برميل في سبتمبر، لكنه يظل دون متوسط فبراير البالغ 14.5 مليون برميل يوميًا.
وتبدو الصورة أقل قتامة عند احتساب المسارات البديلة، إذ تجاوزت تدفقات النفط من الشرق الأوسط، بما يشمل الشحن عبر المضيق والطرق الأخرى، 24 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع المنتهي في 18 أكتوبر، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب البالغة 23.3 مليون برميل.
غير أن وصول النفط إلى الأسواق لا يعني عودة التجارة إلى طبيعتها، فعمليات النقل من سفينة إلى أخرى قد تستغرق ما بين خمسة وعشرة أيام، كما تؤدي المرافقة البحرية والمسارات الأطول إلى تأخيرات إضافية.
ولم تقتصر كلفة عبور الممرات البحرية الخطرة على السفن والتأمين والشحن، بل امتدت إلى أجور البحارة أنفسهم، إذ لجأت شركات التوظيف إلى إغراء العاملين بمكافآت استثنائية مقابل خوض هذه الرحلات، فيما قدمت إحدى شركات توظيف الأطقم، ومقرها الصين، ما يصل إلى 25 ألف دولار مقابل رحلة ذهاب وعودة تستغرق عادة أسبوعًا أو أسبوعين.
سوق كان يُفترض أن يفيض
بدأ العام بتوقعات بفائض في المعروض، ثم جاءت الحرب فقلبت الحسابات، وتزداد خطورة الأزمة مع تقلص الاحتياطيات المتاحة لامتصاص الصدمات، إذ انخفضت المخزونات النفطية العالمية المرصودة بمقدار 95 مليون برميل في أغسطس، لترتفع السحوبات التراكمية منذ فبراير إلى 507 ملايين برميل، بمتوسط 2.8 مليون برميل يوميًا.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن متوسط إنتاج النفط الخام المتوقف بلغ 4.8 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقارنة بـ5.8 مليون برميل في أغسطس، وذروة بلغت 10.9 مليون برميل يوميًا في مايو، ورغم التحسن، تفترض الإدارة استمرار القيود على تدفقات النفط من الشرق الأوسط حتى نهاية الربع الرابع من العام الحالي.
وتتوقع الإدارة أن تعود معظم الإمدادات المتوقفة إلى مستويات ما قبل النزاع بحلول نهاية الربع الثاني من 2027، وبناءً على ذلك، ترجح تراجع متوسط السعر الفوري لبرنت إلى 87 دولارًا للبرميل في الربع الثاني من العام المقبل، ثم إلى 74 دولارًا في الربع الرابع، بالتزامن مع تعافي المخزونات.
لكن هذه التوقعات تفترض أن مسار التعافي سيظل ممكنًا، وأن البنية التحتية لن تتعرض لأضرار جديدة تعطل الإنتاج لفترة أطول، وبالتالي، فهناك مساران محتملان إما عودة تدريجية للإمدادات تسمح للأسعار بالهبوط تدريجيًا، أو استمرار التعطل بما يطيل فترة السحب من المخزونات ويزيد احتمالات القفزات السعرية.
إعادة تقييم علاوة المخاطر
لا يتوقف مستقبل النفط على عدد البراميل المعطلة وحده، بل على المدة التي ستظل فيها الأسواق مضطرة إلى تحمل المخاطر، فالتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران قد يخفف علاوة المخاطر الجيوسياسية ويفتح المجال أمام استقرار الشحنات، بينما قد يؤدي تجدد القتال إلى عكس التحسن الذي تحقق في حركة الإمدادات.
ويقدر "مايكل ألفارو"، كبير مسؤولي الاستثمار لدى "جالو بارتنرز"، أن المخاطر الجيوسياسية أضافت بالفعل نحو 20 دولارًا إلى سعر البرميل، ومع ارتفاع الأسعار إلى 120 أو 130 أو 140 دولارًا، يرجح أن يبدأ الطلب في الانكماش بصورة أكبر، إذ تصبح كلفة الوقود عبئًا على الشركات والمستهلكين والاقتصادات المستوردة للطاقة.
وقد يؤدي هذا التراجع في الاستهلاك إلى كبح الأسعار لاحقًا، لكنه سيكون نتيجة لضغط اقتصادي مؤلم، لا علامة على انتهاء الأزمة.
في النهاية، فإن السؤال الذي سيحدد السعر ليس فقط كم برميلًا يستطيع العالم إنتاجه، بل كم برميلًا يمكنه إيصاله بأمان، وكم من الوقت يستطيع الانتظار قبل أن تصبح كلفة الحرب أعلى من قدرة الاقتصاد العالمي على تحملها.
المصادر: أرقام - تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية - بنك "جولدمان ساكس" - صحيفة "وول ستريت جورنال" – شبكة "سي إن بي سي" - وكالة الطاقة الدولية –وكالة "بلومبرج" – فاينانشال ريفيو – موقع "ماركت ووتش".




