أسهم سعوديةبيانات الموظفين .. منجم ذهب الذكاء الاصطناعي
لم تعد الثروة الرقمية للشركات تقتصر على برمجياتها وبراءات اختراعها وقواعد بيانات عملائها؛ فحتى الرسائل المتبادلة بين الموظفين عبر «سلاك»، والعروض التقديمية، وملفات العمل اليومية، تحولت إلى أصول تقدر قيمتها بمبالغ ضخمة في سوق الذكاء الاصطناعي. وفي سباق تطوير أنظمة قادرة على إنجاز المهام المكتبية بصورة مستقلة، باتت هذه البيانات بمثابة منجم ذهب جديد، تتنافس شركات التكنولوجيا على شرائه، فيما يواجه أصحابها والموظفون أسئلة معقدة بشأن المستفيد من هذه الثروة وحدود استخدامها. عروض
لم تعد الثروة الرقمية للشركات تقتصر على برمجياتها وبراءات اختراعها وقواعد بيانات عملائها؛ فحتى الرسائل المتبادلة بين الموظفين عبر «سلاك»، والعروض التقديمية، وملفات العمل اليومية، تحولت إلى أصول تقدر قيمتها بمبالغ ضخمة في سوق الذكاء الاصطناعي.
وفي سباق تطوير أنظمة قادرة على إنجاز المهام المكتبية بصورة مستقلة، باتت هذه البيانات بمثابة منجم ذهب جديد، تتنافس شركات التكنولوجيا على شرائه، فيما يواجه أصحابها والموظفون أسئلة معقدة بشأن المستفيد من هذه الثروة وحدود استخدامها.
عروض مالية ضخمة
تتلقى بعض الشركات عروضاً مالية من ستة أرقام، مع مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لاتخاذ القرار، بينما تنتشر إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي تحث أصحاب الأعمال على بيع بياناتهم مقابل عوائد قد تصل إلى ملايين الدولارات.
وتُجهّز الملفات عادة عبر إزالة المعلومات الحساسة، ثم تُباع لشركات تطوير الذكاء الاصطناعي التي تبحث عن بيانات واقعية تساعدها على تحسين نماذجها.
وقال دان نوفايس، الرئيس التنفيذي لشركة «مود إنك» الناشئة المتخصصة في بيع البيانات لمطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، إن الطلب الحالي على هذه البيانات هائل للغاية.
وتشير تقديرات شركة «غارتنر» إلى أن الإنفاق السنوي على البيانات المستخدمة في تدريب الذكاء الاصطناعي مرشح للارتفاع من أقل من مليار دولار في العام الماضي إلى نحو 6.5 مليار دولار في 2027، بالتزامن مع توجه شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا» إلى تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ الأعمال داخل المؤسسات.
لكن وراء هذه الطفرة سوقاً تثير مخاوف متزايدة؛ إذ قد لا يعلم الموظفون أن مراسلاتهم وملفاتهم المهنية تُباع، أو أنهم لا يحصلون على أي نصيب من عائداتها.
كما أن إزالة الأسماء والبيانات الشخصية لا تعني بالضرورة زوال جميع المخاطر المرتبطة بالخصوصية.
بيانات الشركات.. نفط العصر الرقمي
أدى النمو السريع للسوق إلى ظهور وسطاء متخصصين يبحثون عن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك سجلات عمل غنية، لكنها قد تفتقر إلى الخبرة اللازمة لتقييم قيمتها الحقيقية.
وبعد تنقية الملفات من معلومات حساسة، مثل أرقام الضمان الاجتماعي والعناوين المنزلية، يعيد هؤلاء الوسطاء بيعها إلى شركات الذكاء الاصطناعي.
ويشبّه رايان لوك، الشريك المؤسس لشركة «بولي شيرز» المتخصصة في الوساطة الرقمية، هذه الطفرة بالاندفاع نحو النفط في ولاية تكساس مطلع القرن العشرين، عندما اشترى المنقبون أراضي بأسعار زهيدة من مزارعين لم يدركوا قيمة الثروات الكامنة تحتها.
وقال لوك إن العروض المقدمة لأصحاب الشركات تشبه إلى حد كبير تلك الصفقات المبكرة، إذ يُعرض عليهم أحياناً سعر يفوق القيمة السوقية، مقابل اتخاذ قرار سريع.
ويرى أن هذه الممارسات تستفيد من الفجوة المعرفية بين المشترين، الذين يدركون قيمة البيانات، وأصحابها الذين قد لا يعرفون حجم الطلب عليها.
وتسعى «بولي شيرز» إلى تقليص هذه الفجوة من خلال توفير مزيد من الشفافية بشأن قيمة البيانات وشروط ترخيصها، بما يضمن حصول الشركات على حصة أكثر عدالة من العائدات.
وأضاف لوك أن السوق توفر فرصاً مالية كبيرة لجميع الأطراف، لكن أصحاب البيانات ينبغي أن يحصلوا على نصيب أكبر من المنافع الناتجة عن استغلالها.
عروض بملايين الدولارات
تتزايد أهمية السجلات التي توثق كيفية إنجاز الأعمال داخل الشركات، لأنها تمنح نماذج الذكاء الاصطناعي سياقاً عملياً لفهم القرارات والخطوات اللازمة لتنفيذ المهام.
وقال ويليام ألميدا، الرئيس التنفيذي للإيرادات في شركة «مايكرو1» المتخصصة في تدريب الذكاء الاصطناعي، إن هذه المعلومات تساعد في تطوير الوكلاء الأذكياء القادرين على استخدام الحواسيب وتنفيذ المهام بصورة مستقلة، وهو مجال يحظى باهتمام متزايد من شركات التكنولوجيا الكبرى.
وأعلنت «مايكرو1» في وقت سابق من العام برنامجاً يتيح للشركات متوسطة الحجم الحصول على ما بين 100 ألف ومليوني دولار مقابل إتاحة بيانات مجهّلة الهوية.
وأوضح ألميدا أن المطورين أصبحوا يفضلون البيانات التي توثق دورة العمل كاملة، بدلاً من الملفات المنفصلة، لأن فهم السياق المتكامل يساعد الأنظمة على تعلم كيفية تنفيذ المهام من بدايتها إلى نهايتها.
وتشمل هذه البيانات سجلات «سلاك»، وأنظمة إدارة علاقات العملاء، والبريد الإلكتروني، وغيرها من الملفات الداخلية.
وكلما توافرت صورة أكثر اكتمالاً لآليات العمل، ارتفعت القيمة المحتملة لمجموعة البيانات.
وتتحدد الأسعار وفق عوامل عدة، أبرزها حجم البيانات وعدد الموظفين الذين أنتجوا سجلاتها، إلى جانب مدى حصريتها.
فقاعدة بيانات تمتلكها شركة منافسة بالفعل قد تكون أقل جاذبية لمشترٍ جديد.
كما يرتفع الطلب على بيانات القطاعات التي تسعى شركات الذكاء الاصطناعي إلى أتمتة أعمالها، مثل المحاماة والمحاسبة.
ولا تقتصر الفرص على الشركات الكبرى أو المؤسسات التي ما زالت تعمل؛ إذ يمكن للشركات الصغيرة، وحتى الشركات المتوقفة عن النشاط، بيع سجلاتها متى توافرت لديها بيانات كافية وحقوق قانونية تتيح التصرف فيها.
ومن بين الشركات التي دخلت هذا المجال وكالة «ماي بورتال ماركتينغ»، التي يديرها غرانت غولي.
فقد رخّصت الوكالة لشركة «مايكرو1» بيانات تشمل ملفات تصميم من منصتي «فيغما» و«كانفا»، وقوائم التحقق الخاصة بتهيئة العملاء الجدد، وملفات مرتبطة بإعلانات «غوغل»، مع تأكيد غولي أنها لم تبع المواد الخاصة بعملائها.
وقال غولي إن مشاركة البيانات يمكن أن تكون خياراً مسؤولاً إذا كان تدريب الذكاء الاصطناعي مستمراً في جميع الأحوال، شرط التعامل معها بطريقة سليمة.
صفقة تكشف مخاطر السوق
لم يدرك بعض أصحاب الشركات حجم التغير الذي تشهده السوق إلا بعد أن أصبحت بياناتهم موضوع صفقات لم يكونوا مستعدين لها.
وقال دوغ كروزكامب، الرئيس التنفيذي لشركة «سبرينغشوت» المتخصصة في عمليات تشغيل شركات الطيران، إنه علم في أغسطس بأن «غوغل» اشترت بيانات شركته، عبر وسائل الإعلام، ولم يكن أمامه سوى أقل من 48 ساعة منذ تلقيه الخبر.
وكانت «سبرينغشوت» مورداً لشركة «سبيريت إيرلاينز» المتعثرة، وساعدت في تنسيق الرحلات بين فرق التشغيل، بما يشمل موظفي البوابات وعمال النظافة.
وأوضح كروزكامب أن البيانات تمثل ملكية فكرية تراكمت على مدى 15 عاماً، معرباً عن صدمته من احتمال نقلها إلى طرف آخر من دون إشعار مسبق كافٍ.
وتكشف الواقعة عن إشكالية أوسع تتعلق بملكية البيانات عند إفلاس الشركات أو بيع أصولها؛ إذ قد تتحول سجلات الموظفين والعمليات إلى أصول مالية، رغم أن الأشخاص الذين أسهموا في إنتاجها لا يملكون بالضرورة حق تقرير كيفية استخدامها لاحقاً.
وفي قضية أخرى، قال نيك هاينر، الذي يعمل على تطوير بيئات رقمية تحاكي المكاتب لدى شركة «سيرج إيه آي»، إنه تلقى عرضاً من مجموعة زعمت امتلاك قاعدة الشفرة البرمجية لإحدى الشركات الكبرى، مقابل ملايين الدولارات.
وأوضح أن الأمر أثار الشكوك بشأن قانونية الحصول على البيانات، بعدما تبين أن المجموعة لا تملك حق بيعها، وأنها حصلت عليها بصورة غير مشروعة، ثم حاولت تسويقها لوسطاء البيانات.
الموظفون في قلب المعركة
لا تقتصر المخاوف على القرصنة أو بيع المعلومات المسروقة، بل تمتد إلى البيانات التي تجمعها الشركات بصورة مشروعة من موظفيها، ثم تستخدمها لأغراض لم يتوقعها العاملون.
فقد تعثرت مساعي «غوغل» لشراء بيانات شركة «سبيريت إيرلاينز» السابقة، التي قُدرت قيمة الصفقة المتعلقة بها بنحو 10 ملايين دولار، جزئياً بسبب مخاوف مضيفي الطيران بشأن استخدام سجلاتهم.
وفي الأسبوع الماضي، وجهت السيناتورة الأمريكية إليزابيث وارن وأكثر من 100 عضو في الكونغرس رسالة إلى «غوغل» و«سبيريت»، مطالبين بحماية خصوصية آلاف الموظفين السابقين.
وأكد متحدث باسم «غوغل» أن الشركة لا تسعى إلى شراء معلومات شخصية من «سبيريت»، وأن أي بيانات من هذا النوع ستُستبعد أو تُجهّل هويتها بواسطة طرف ثالث مستقل.
من جانبها، قالت «سبيريت» إنها تعمل مع مضيفي الطيران والنقابات المعنية لمعالجة المخاوف.
وفي قضية أخرى، اتهم عاملون سابقون لدى شركة «ميركور»، المتخصصة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، الشركة في دعوى قضائية مستمرة بتشجيعهم على تحميل مواد مهنية من دون موافقة أصحاب العمل.
ونفت الشركة هذه الادعاءات أمام المحكمة.
وظهرت المخاوف أيضاً داخل شركات التكنولوجيا نفسها.
ففي «ميتا»، أثار برنامج أُعلن عنه في وقت سابق من العام لتسجيل ضغطات المفاتيح وحركات الفأرة بهدف تدريب الذكاء الاصطناعي اعتراضات الموظفين، الذين خشوا أن تشمل البيانات معلومات شديدة الحساسية، مثل أرقام بطاقات الائتمان ووثائق الهجرة.
ورغم تعهد كبير مسؤولي التكنولوجيا في الشركة، أندرو بوسورث، بفرض ضوابط مشددة على البيانات، كشفت معلومات حصلت عليها «بيزنس إنسايدر» عن تسرب داخلي أتاح الاطلاع على بيانات قيل إنها مجهّلة الهوية، وشملت محادثات خاصة وسجلات أداء وظيفي.
وعلّقت «ميتا» المشروع بعد الواقعة ولم تستأنفه حتى وقت نشر التقرير.
كذلك أفادت تقارير سابقة بأن «غوغل» درست فكرة تتبع مخرجات موظفيها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، قبل أن تتراجع عنها.
أما إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، فأبلغ الموظفين خلال اجتماع عام في أغسطس بأن الشركة ستستخدم بيانات العاملين لتدريب نموذج «غروك»، داعياً إياهم إلى النظر إلى أنفسهم بوصفهم «آباء» للنموذج، الذي سيرث، بحسب وصفه، أفكارهم ومعتقداتهم.
سوق ضخمة وأسئلة بلا إجابات
يرى العاملون في سوق البيانات أن هذه الصناعة مرشحة لمزيد من النمو.
وقال علي أنصاري، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكرو1»، إن ترخيص البيانات لشركات الذكاء الاصطناعي قد يصبح أحد مصادر الإيرادات الشائعة للشركات حول العالم.
وقدّر أن تدريب النماذج، بالاستعانة ببيانات الشركات وخبرات المتخصصين، قد يرتبط مستقبلاً بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وفق تقديره.
وأعلنت الشركة الأسبوع الماضي التزامها بإنفاق مليار دولار على بيانات الشركات خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، في مؤشر إلى حجم الرهانات المالية على هذا القطاع.
لكن اتساع السوق يعيد طرح أسئلة بشأن الحاجة إلى تشريعات أكثر صرامة لحماية البيانات والخصوصية.
وترى أليكس روزنبلات، عالمة الاجتماع والمسؤولة السابقة عن السياسات في «أوبر»، أن توظيف السجلات المهنية في تدريب الذكاء الاصطناعي قد يعزز المطالب بوضع ضوابط جديدة، لكنه قد يمنح الموظفين أيضاً قوة تفاوضية أكبر مع تزايد قيمة آثارهم الرقمية.
وتكمن المشكلة، وفق روزنبلات، في أن جمع البيانات لم يبدأ اليوم، لكن حجم العملية وقيمة البيانات الناتجة عنها تغيرا بصورة كبيرة.
وهذا التحول يفرض على الشركات والموظفين والمشرعين إعادة النظر في قواعد الموافقة والملكية وتقاسم العائدات.
ففي الوقت الذي تسعى فيه شركات التكنولوجيا إلى تحويل تفاصيل العمل اليومية إلى وقود لتطوير الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الأهم: من يملك القيمة الاقتصادية التي تنتجها هذه البيانات، وهل تكفي الموافقة العامة على جمعها لمنح الشركات حق بيعها واستخدامها في تدريب نماذج قد تعيد تشكيل الوظائف نفسها؟
مشاركة الخبر:بيانات الموظفين .. منجم ذهب الذكاء الاصطناعي




