أسهم سعوديةعندما تخدعك أرقام الميزانية المجمعة
في خمسينيات القرن الماضي، أُجريت تجربة نفسية شهيرة طُلِب فيها من المشاركين ارتداء نظارات خضراء تمنع رؤية ألوان معينة؛ ورغم تأكيد القائمين عليها للمشاركين بأن النظارة ستؤثر على رؤيتهم، إلا أن جميعهم اتخذوا قرارات خاطئة بناءً على الصورة التي رأوها عبر النظارة. وعلى الرغم من أنه لم يتم إخفاء أي جزء من المشهد عن المشاركين، لكن النظارة التي ارتدوها جعلتهم لا يرون الألوان على حقيقتها، مما جعل إدراكهم للواقع منقوصاً دون أن يشعروا. صورة براقة وفي أسواق الأسهم، يرتدي آلاف الم
في خمسينيات القرن الماضي، أُجريت تجربة نفسية شهيرة طُلِب فيها من المشاركين ارتداء نظارات خضراء تمنع رؤية ألوان معينة؛ ورغم تأكيد القائمين عليها للمشاركين بأن النظارة ستؤثر على رؤيتهم، إلا أن جميعهم اتخذوا قرارات خاطئة بناءً على الصورة التي رأوها عبر النظارة.
وعلى الرغم من أنه لم يتم إخفاء أي جزء من المشهد عن المشاركين، لكن النظارة التي ارتدوها جعلتهم لا يرون الألوان على حقيقتها، مما جعل إدراكهم للواقع منقوصاً دون أن يشعروا.
صورة براقة
وفي أسواق الأسهم، يرتدي آلاف المستثمرين نظارات مماثلة يومياً عند قراءة القوائم المالية المجمعة؛ حيث يبدو مؤشر "العائد على حقوق الملكية" براقاً للوهلة الأولى، بينما هو في الحقيقة يخفي خلفه صورة جزئية مضللة.
وتحدث هذه الإشكالية عندما تمتلك شركة أم حصة أغلبية (لتكن 60% مثلاً) في شركة تابعة؛ فوفقاً لمعايير المحاسبة، يتم دمج القوائم المالية للشركتين بالكامل، مما يعني أن الشركة الأم تُسجل 100% من إيرادات وأرباح الشركة التابعة ضمن قائمة الدخل وقائمة المركز المالي للشركة المجمعة.
ورغم أن الأرباح الصافية تُقسم في نهاية قائمة الدخل بين مساهمي الشركة الأم وحقوق الأقلية (الـ 40% المتبقية)، فإن طريقة العرض ورقم "إجمالي الربح التشغيلي" أو "إيرادات المبيعات المجمعة" تُعطي انطباعاً بحجم مالي وأرباح أكبر بكثير من الواقع المباشر لمساهمي الشركة الأم، بسبب وضع أرباح نسبة الـ 40% لاحقاً ضمن بند "حقوق الأقلية" أو "الحصص غير السائدة".
لوي فيتون مثالاً
ويقدم عملاق السلع الفاخرة الفرنسي "لوي فيتون موئيت هينسي" تجسيداً واضحاً لهذه المعضلة، حيث تضم المجموعة هيكلاً معقداً من الملكيات يشمل عدداً من بيوت الأزياء والتصاميم، ومن بينها السيطرة على دار "كريستيان ديور" والشركات التابعة لـ "موئيت هينسي" وعدد آخر من الشركات.
وعندما تُصدر الشركة تقاريرها المالية المجمعة، يُدرج 100% من أرباح التشغيل وإيرادات تلك الشركات التابعة ضمن القوائم. ونتيجة لذلك، تُظهر الميزانية المجمعة بنداً ضخماً بحجم مليارات اليوروهات تحت مسمى "حقوق الأقلية" يقبع داخل هيكل حقوق الملكية الإجمالي.
والتنبه لهذا الأمر هام للغاية ولاسيما في فترات التراجع؛ فعلى سبيل المثال انخفض السهم بنسبة 40% منذ بداية 2026 وحتى نهاية أكتوبر، مما جعل الكثير من المتداولين ينتبهون لمسألة حقوق الأقلية وحساب الرقم الإجمالي، وهو ما فاقم من تراجع السهم بوضوح.
قراءة غير دقيقة
والمستثمر المتعجل الذي يكتفي بقراءة الأرقام النهائية المجمعة يقع في وهم السهم "الاستثنائي"، بينما التحليل الأعمق الذي يعزل حصة الأقلية ويفصل دخل الأم عن إجمالي الدخل المجمع، يُظهر أن النسبة الحقيقية للعائد الذي يستفيد منه السهم في "لوي فيتون" أقل كثيراً من المؤشر الأساسي؛ فالأرباح المجمعة المعروضة تُعطي "تضخماً" للأرباح بشكل غير دقيق.
فالمستثمر العادي كثيراً ما يقع في المصيدة؛ فهو ينظر إلى البسط في معادلة العائد على حقوق الملكية التقليدية، والتي يتم حسابها بقسمة صافي الدخل على إجمالي حقوق الملكية، متجاهلاً البند في الميزانية الذي يشير إلى حقوق الأقلية في الشركات التابعة والذي يجب خصمه أولاً من إجمالي حقوق الملكية (وكذلك خصم حصتهم من صافي الدخل) لصياغة صورة أوضح (لا تخضع للنظارات الملونة).
فالمستثمر يرى إيرادات تتصاعد، وأرباحاً تشغيلية ضخمة، فيفترض أن الإدارة تقود المجموعة بكفاءة استثنائية، دون أن ينتبه أن هناك "شريكاً خفياً" يملك الحصة المتبقية، وهو ما يُعرف محاسبياً بـ "حقوق الأقلية" أو "الحصص غير السائدة".
ولهذا فالأرباح المدونة في الميزانية ليست كلها ملكاً لمساهمي الشركة الأم، بل إن جزءاً -يزيد أو ينقص وفقاً لحجم الأرباح ونسبة الأقلية- منها يذهب لأصحاب الحصص غير السائدة ولا يمكن تحويله أو توزيعه على مساهمي الأم.
ولا يتوقف الخداع المحاسبي عند حدود العائد على حقوق الملكية، بل يتعداه ليعيد تشكيل مؤشرات التقييم الأساسية التي يعتمد عليها المتداولون، ومن ذلك تشويه مكرر المبيعات، والذي يُحسب بقسمة القيمة السوقية للشركة (أو قيمة المنشأة) على إجمالي المبيعات، بناءً على القيمة السوقية للشركة الأم وحدها، بينما يحتوي المقام على 100% من مبيعات الأم والشركات التابعة معاً.
والنتيجة لذلك انخفاض المؤشر ظاهرياً بشكل مصطنع، ليظهر السهم وكأنه يُمثل "فرصة" ومقوماً بأقل من حقيقته.
اتفاقات الامتياز
وفي قطاع مشروعات النفط والغاز، تنشأ المعضلة ذاتها ولكن على نطاق مختلف، مثل ما تعانيه شركة "توتال" الفرنسية التي تعتمد على تأسيس مشروعات مشتركة مع حكومات وشركات محلية بنسب ملكية تتراوح بين 50% و70% لإدارة الامتيازات والتكرير.
وفي تقاريرها المالية السنوية لعام 2024 سجلت الشركة صافي دخل مجمع تجاوز 16.12 مليار دولار، لكن تفاصيل قائمة الدخل كشفت أن نحو 322 مليون دولار من هذه الأرباح الصافية لم تكن سوى حصص مخصصة للشركاء المحليين تحت بند حقوق الأقلية، ليصل صافي الدخل المخصص لمساهمي الشركة الأم إلى 15.80 مليار دولار.
أما على صعيد حقوق الملكية الإجمالية التي تجاوزت 115 مليار دولار، فقد احتوت أيضاً على نحو 3.31 مليار دولار مخصصة للحصص غير السائدة.
ولو قام متداول عادي بقسمة صافي الدخل المجمع مباشرة على حقوق ملكية الشركة الأم، لخرج بنسبة عائد على حقوق الملكية تُعطي انطباعاً مضللاً بأن الشركة تُولّد أرباحاً استثنائية من كل دولار يملكه المساهم الأساسي.
لكن الحقيقة تشير إلى أن هذه الإيرادات هي تدفقات مقيدة؛ إذ لا يملك مجلس إدارة "توتال" تحويلها لخزينته أو توزيعها على حملة أسهمه إلا بعد استيفاء الشروط التعاقدية مع الشركاء المحليين واقتطاع حصصهم أولاً.
في عالم التكنولوجيا أيضاً
وقدمت شركة "دل" لتصنيع الحواسب والخدمات البرمجية أيضاً نموذجاً في ضرورة الفصل بين حقوق الملكية السائدة وتلك التابعة للأقلية، وذلك بعد سيطرتها على شركة الحوسبة السحابية "في إم وير" (VMware) بحصة بلغت 81% بدأت في عام 2016 من خلال صفقة الاستحواذ التاريخية على شركة "إي إم سي" (والتي كانت "في إمي وير" جزءًا منها) بقيمة 67 مليار دولار.
وفرضت المعايير المحاسبية على "دل" دمج ميزانية شركتها التابعة بالكامل ضمن ميزانيتها، ولأن "في إم وير" كانت تحقق تدفقات نقدية عالية، فقد بدت قوائم "دل" المجمعة وكأنها تُحقّق قفزات تاريخية في الأرباح التشغيلية ومؤشر العائد على حقوق الملكية.
واتضح للمستثمرين لاحقاً أن ديون "دل" الضخمة الناتجة عن صفقة الاستحواذ لا يمكن تسديدها مباشرة من التدفقات النقدية الممتازة للشركة التابعة، حيث إن السيولة كانت محتجزة داخل الكيان التابع، ولا يمكن تحويلها لـ "دل" إلا عبر توزيعات أرباح تتضمن دفع 19% منها للمساهمين الآخرين (حقوق الأقلية).
وأدى هذا الانفصال بين الأرقام الدفترية البراقة والواقع التنفيذي الأقل جاذبية إلى اتخاذ "دل" قراراً بفصل الشركة التابعة تماماً عنها لتخليص قوائمها من هذا التضارب المُربك لبعض المستثمرين.
كيفية تجنب الفخ
يجب على مستثمر الأسهم اتباع خطوات تفكيك للقوائم المالية المجمعة (ليتجنب تأثير النظارة الخضراء):
1- تجزئة معادلة العائد على حقوق الملكية: بألا يستخدم المتداول الأرقام الإجمالية للميزانية، بل يقوم بقسمة (صافي الدخل الخاص بمساهمي الشركة الأم فقط) على (حقوق ملكية مساهمي الشركة الأم فقط)، بعد عزل بند حقوق الأقلية تماماً من الطرفين.
2- تتبع قائمة التدفقات النقدية: وذلك بعدم التوقف عند الأرباح التشغيلية وحدها، ومتابعة بند "التوزيعات النقدية المدفوعة لحقوق الأقلية" في قائمة التدفقات النقدية، لأنه يعد المقياس الحقيقي للسيولة التي تخرج بالفعل للشركاء الآخرين.
3- اختبار حرية التصرف في السيولة: فإذا كانت غالبية الأرباح ناتجة عن شركات تابعة تتملك فيها الشركة الأم حصصاً ملامسة لـ 51%، تكون قدرة الإدارة على استخدام تلك الأموال مقيدة بشدة، ويكون العائد على حقوق الملكية الظاهري ليس إلا انعكاساً لسيطرة دفترية لا تترجم دائماً إلى تدفق مالي حقيقي.
المصادر: أرقام- مايكروتريدز- ياهو فاينانس- بروكينجز- بلومبرج- مورنينج ستار.
مشاركة الخبر:عندما تخدعك أرقام الميزانية المجمعة




